يتناول الكاتب أسامة دياب إشكالية السياسات التي يفرضها صندوق النقد الدولي على الدول النامية، مستشهداً بالحالة المصرية التي تواجه تداعيات اقتصادية متفاقمة نتيجة الحرب على إيران وارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة والاستثمار. ويرى الكاتب أن الصندوق يواصل مطالبة مصر بتسريع برنامج الخصخصة وجذب تدفقات مالية جديدة، رغم أن جذور الأزمة تعود إلى عوامل خارجية لا تتحمل القاهرة مسؤوليتها.


وتوضح المنصة أن الصدمات الاقتصادية التي تتعرض لها مصر ترتبط أساساً بمتغيرات عالمية، مثل الحروب وتقلبات أسعار الطاقة وتشديد السياسة النقدية الأمريكية. ومع ذلك، يطالب صندوق النقد الدول المتضررة بتحمل أعباء التكيف عبر إجراءات تشمل خفض الإنفاق العام، وتعويم العملات، ورفع أسعار الفائدة، وبيع الأصول العامة، وهي سياسات يرى منتقدوها أنها تزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية بدلاً من معالجتها.


أزمات خارجية تدفع مصر إلى التكيف الداخلي


يرى الكاتب أن معظم الأزمات التي دفعت مصر إلى طلب دعم صندوق النقد خلال السنوات الأخيرة جاءت نتيجة أحداث عالمية، بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى الحرب على إيران. وأدت هذه التطورات إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع احتياطيات النقد الأجنبي، وزيادة الضغوط على سعر الصرف.


ويشير إلى أن هذه الظاهرة ليست جديدة، إذ واجهت الدول المستوردة للنفط أزمات مشابهة منذ سبعينيات القرن الماضي عقب الطفرات الكبيرة في أسعار النفط وارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية. وأفضت تلك الظروف إلى أزمة ديون واسعة النطاق شملت عدداً كبيراً من دول الجنوب العالمي، ما دفع صندوق النقد إلى تطوير برامج التكيف الهيكلي بوصفها أداة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية.


ويؤكد الكاتب أن المشهد الحالي يعيد إنتاج الآلية نفسها؛ فالصدمات الخارجية تتحول إلى أزمات داخلية في ميزان المدفوعات، رغم أن الدول المتضررة لم تسهم في صنع الأسباب التي أدت إليها.


سياسات صندوق النقد بين العلاج وتعميق الأزمة


ينتقد المقال السياسات التقليدية التي يعتمدها صندوق النقد، معتبراً أنها تؤدي أحياناً إلى نتائج عكسية. فتعويم العملة يرفع معدلات التضخم، ثم يدفع الصندوق نحو زيادة أسعار الفائدة لكبح التضخم، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الدين العام وإضعاف الاستثمار والإنتاج.


ويضيف أن هذه الأدوات تفقد فعاليتها عندما يكون التضخم ناتجاً عن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع عالمياً، وليس بسبب زيادة الطلب المحلي. لذلك لا تنجح أسعار الفائدة المرتفعة في خفض أسعار السلع الأساسية التي تمثل الجزء الأكبر من إنفاق الأسر في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.


ويستشهد الكاتب بانتقادات طرحها اقتصاديون دوليون منذ ثمانينيات القرن الماضي، أبرزهم سيدني ديل، الذي رأى أن صندوق النقد يحمّل الدول المدينة أعباء التكيف، بينما لا يفرض التزامات مماثلة على الدول والفواعل الاقتصادية التي ساهمت في خلق الأزمات العالمية.


نحو نموذج أكثر استقرارًا وعدالة


يخلص المقال إلى أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي الحقيقي يتطلب تغييراً جذرياً في فلسفة إدارة الأزمات العالمية. ويقترح تبني سياسات تعزز استقرار أسعار الصرف والتجارة الدولية، وتدعم الطلب المحلي والإنتاج الوطني بدلاً من الاعتماد المفرط على تدفقات رأس المال قصيرة الأجل.


كما يدعو إلى توجيه الاستثمارات نحو النقل العام والخدمات الأساسية والقطاعات كثيفة العمالة، مع تقليل الاعتماد على الطاقة الأحفورية والحد من هشاشة الاقتصادات أمام تقلبات الأسواق العالمية.


ويؤكد الكاتب أن الاستقرار طويل الأجل لن يتحقق عبر تحميل الدول النامية مزيداً من التضحيات، بل عبر معالجة الاختلالات البنيوية في النظام المالي العالمي نفسه، وتوزيع أعباء التكيف بصورة أكثر عدالة بين جميع الأطراف المؤثرة في الاقتصاد الدولي.

 

https://manassa.news/en/stories/31830